أنثوية العلم .. العلم من منظور الفلسفة النسويّة ..*
“النسوية بشكل عام هي كل جهد نظري أو عملي يهدف إلى مراجعة واستجواب أو نقد أو تعديل النظام السائد في البنيات الاجتماعية. الذي يجعل الرجل هو المركز، والمرأة جنساً ثانياً أو آخر في منزلة أدنى، فتفرض عليها حدود وقيود، وتمنع عنها إمكانيات للنماء والعطاء فقط لأنها إمرأة. ومن ناحية أخرى، تبخس سمات وخبرات فقط لأنها أنثوية، لتبدو الحضاره في شتى مناحيها إنجازات ذكورية خالصة تؤكد توطّد سلطة الرجل وتبعية أو هامشية المرأة” – أنثوية العلم .. ليندا جين شيبرد (ترجمة الدكتورة يمنى الخولي)
العنوان يوحي بأن الكتاب سيتحدث عن أيدولوجيات النسويّة الجديدة المتعددة أو feminism والتي بدأت في القرن التاسع العشر عام ١٨٩٥ في الفكر الغربي بدعم أو استعراض لممارساتها ونتائجها، بينما الحقيقة التي يطرحها الكتاب مختلفة تماما. فلو أردت تقسيم طرحه سينقسم إلى جزئين رئيسين :
الأول :- اكتشاف الأنثوية كجانب جوهري في العلم لابد أن يقوم بدوره في صياغة قيم العلم وأهدافه ومناهجه وشرائع ممارسة البحث العلمي، توصّلا به إلى التكاملية التي تجعله أكثر إبداعا وإنتاجا لتحقيق أهداف المجتمع كافة وذلك بتقديم تفسير آخر يبرز دور المرأة وقيمها الأنثوية .
الثاني:- أن تكامل الرجال حسب رؤيتها مع الجانب الأنثوي في نفوسهم، وتكامل النساء مع الجانب الذكوري في نفوسهن هو نقطة التحول والتغيير الجوهرية التي تجعل العلم في أوسع معانيه كبحث عن المعرفة والحقيقة لا جنوسة له، وليس حكرا على الرجل و”كأن الإنسانية هي الرجل”.
في أحد أهم فصول الكتاب تتحدث ليندا عن تاريخ مشكلة كهنوت الذكورة في العلم وكيف أنها ارتبطت بالأكاديميات الكِنسية في العصور الوسطى بأفكار وثقافة قائمة على العزوبية والجنس الواحد وكراهة الجدل. دعم ذلك كوزمولوجيا أرسطو ومنطقه عن الرجل والمرأة، واحتقار فرانسيس بيكون للأنثوية ودعمه للمنهج التجريبي”تدشينا للميلاد الحقيقي للعصر الذكوري”، وإيمان ديكارت بالعقلانية الاستنباطية التحليلية التي كان يرى بها أن الجسم البشري قد يكون مماثلا للألة الميكانيكية .
ظلّ العلم الغربي يعتبر العلم في الهند الذي يعتمد على “العلم الجواني” ويدرس الحالات البديلة لـ اللاوعي علم زائف يعالج ظواهر لا يمكن قياسها بتقنياتهم . ليس هذا وحسب بل ظهر علم قياس حجم الجمجمة والمخ “الكرانيولوجي” في القرن التاسع عشر الذي يرى علماؤه أن الذكاء يرتبط ارتباطا مباشرا بحجم المخ، فراحوا يقيسون أحجام الأدمغة أو الجماجم، ولما كانت جماجم النساء أصغر نسبيا استنتجوا أنّ النساء أدنى في الذكاء بالتالي أقل قدرة على التفكير وأنّ المناشط العقلية عبء ثقيل على أجهزتهن العصبية ..
من ثمّ يبدأ الكتاب في تدرجه نحو إثبات وجود الأنثوية في العلم، وأن العلم في ذاته نسق من المعارف يجب أن يعكس سبل النساء للمعرفة أيضا لكي يغدو مكتملا، ففصّل الكتاب ذلك من خلال إعادة طرح الكثير من الأسئلة المهمة كـ : ماهي أهداف العلم ؟ هل هي أن نعرف أنفسنا ؟ الله ؟ المشاركة في إبداعية قوة الخالق ؟ أن نرتقي بتطور الوعي ؟ وأيضا من خلال وجوب إثبات علّمية النسويات أمام أنفسهنّ أولا وبدون التنازل عن الجانب الأنثوي من ذواتهنّ، ومن خلال البحث وإيجاد بعض التيارات الخفية على مدار التاريخ التي كانت تعتقد في قيمة الأنثويّة مثل الغنوصيّة والسيميائيين . تلا ذلك العديد من البحوث العلمية لنساء استطعن إثبات أن الخصائص التي نعتبرها ضعفا في النساء هي مكامن قوة إنسانية. وأن الطريقة التي يتعلمن بها النساء مختلفة جزئيا عن الطريقة التي يتعلم بها الرجال عكس ما أثبته العلم الذكوري . إضافةً إلى العديد من الدراسات والبحوث المحكّمة علميا التي تبنتها النساء بتفرد منقطع النظير كنظريات الكوانتم والشواش التي أبغضتها النظرة الغربية والتي تتمثل في القيم التي أهملت عمدا برغم إسهاماتها المفيدة في فهم للطبيعة .
تنوعت بعد ذلك الأدبيات التي تتبنّاها النسويّات بتنوع الدوافع والمقاصد للوصول إلى نتيجة حتمية بأن العلم نشاط اجتماعي إلى حدّ كبير وأن ” لا مجال أبدا لأن يكون الاحتراف العلمي في عدم كشف شعورك مع الإبقاء على واقعيتك وقدرتك، نستطيع أن نمارس الاستكشاف متحررين من القلق خشية أن نبدو حمقى”.
كما ناصرت الحركات النسوية العلمية الكثير من المعطيات الأنثوية التي تساهم في تكاملية العلم مثل الوعي بالتأثيرات الذاتية -الانحياز كمثال – التي تجعل العلم حسب رؤيتها أكثر موضوعية وتضفي عليه مزيدا من الثقة .
الكتاب يفضح بشكل صريح ذكورية الفكر الغربي وأنّه إلى وقت ليس بالبعيد كان لا يختلف كثيرا عمّا نعانيه الآن من ذكورية في مجتمعاتنا في جميع نواح الحياة، وكأننا لا نبدأ من حيث انتهى الآخرون بل نعيد التجربة من أولها وهذا ما يجعلنا “متأخرين” في الكثير من أنماط الحياة .
مما أثاره الكتاب فيّ من نقاط وأفكار وأسئلة مهمة :
هل تدعو “النسوية” في عالمنا العربي والسعودي تحديدا إلى ما تدعو إليه ليندا في هذا الكتاب ؟ التكامل الفطري مع الذكورية في مسائل مهمة متقدمة كالبحث العلمي أو غيره ؟
ماهي أهم قضايا الحقوق التي تتبناها حقيقةً “النسوية” في بلادنا ؟ وهل لها صلة مباشرة وعميقة بهويتنا الأنثوية أولا ومن ثم بقية الحقوق ؟
كون أن المرأة أُعطيت الحق الشرعي والاجتماعي في التعليم فهذا أول مبرراتها القوية للمشاركة في الحياة العلمية أو السياسية أو الاقتصادية . إذ أنه من غير المعقول أن تكون نهاية مشوار طويل من التعليم احتكار التخصصات للرجل فقط أو منع المرأة من الخوض في غمار أي منها بحجج عرفية غير مؤصّلة شرعيا .
الصراع (الذكوري الأنثوي) الأيديولوجي المثار في مجتمعنا هل هو صراع أفكار تسعى من أجل التكاملية العلمية التي هي بالتالي المقدمة الرئيسة للتقدم والنهضة التي يتصايح حولها الكثيرون ؟
هل سعينا من أجل هذا التكامل الذي أصله إعطاء الحق لكل جنس وفق ما تقتضيه حقوق الشرع القطعية قد يسبب هجرانا مّا لهويتنا الدينية بأي شكل ؟ هل يتقاطعان ؟ يتعارضان ؟
ختاما ..
“على أيّ حال يمكننا توقع أن التكامل مع الأنثوية عملية بطيئة وعسيرة، من الناحية السيكولوجية يظل الجانب المكبوت الغير مستخدم بدائيا وغير متمايز. قد ينبثق في وقت غير ملائم وبطرق فجّة مسببا ذلك النوع من الارتباك الذي يجعلنا نستنكر فورا التعبير عنه . من المطلوب الصبر والإيمان بالمنافع طويلة المدى للخصائص المكبوتة”
* كتاب رائع ومهم قيّمته في الـ goodreads بخمس نجمات .. : )

بخصوص الأزمة في السعودية فأظن أنها مجرد محاولة لإثبات الذات وبطريقة واحدة: الصراخ للتمرد على سلطة الذكورة. هذه الطريقة تساهم في خلق صراع لا طائل منه، لأنه قام على مجرد التمرد لأجل التمرد وبالتالي فإنه لا يستمد قوته من عالم الأفكار وصراعها وتدافعها وإنما من ذاتية بحتة، مما ينعكس بدوره على صفة هذا الصراع بكل أطرافه.
التهميش الذي تواجهه المرأة السعودية قد يكون سببًا لهذا الصراع الذي يجعل قيمة الأنوثة العليا في رفضها سلطة الرجل، وإن كانت المرأة -في حقيقة الأمر- تعطي الرجل (حتى ذاك الذي يتظاهر بالوقوف معها) مبررًا في وجوب فرض سلطته عليها. لهذا أرى أن المرأة ستتخلص من هذه السلطة التعسفية وتعيش بفاعلية، إذا عرفت واجباتها وحقوقها التي يجب المطالبة بها وتعلمت كيف تفعل ذلك.
مشكلة النساء الحقيقيّة هي أنهنّ حين يدركن الظلم الّذي مُورس عليهنّ عبر التاريخ يبدأن بالحديث عن أنفسهنّ أكثر ممّا يعملن من أجل الإنسانيّة !
والبديهيّ أنّ النسويّة المعتدلة لن تتحقق بالصراخ قدر ما ستتحقق بالإنجازات الملموسة .
الأمر الثاني هو تحويل صراع المرأة من أجل البقاء الوجوديّ إلى صراع فارغ ومجرّد ضدّ الرجل، ولا تفسير عندي لهذا التحويل إلاّ بسبب الإحساس الحقيقيّ بالنقصان أمامه، فالمرأة التي تقدّر نفسها هي تقدّر الإنسان أيًّا كان جنسه أو عرقه وبالتالي هي لا تحتقر الرجل أو تعتبره ندًّا لها .
مثال على ذلك، الجندر وهي واحدة من أبرز الحركات النسويّة في عالمنا العربيّ – لا أعلم إن كان لها حضور في السعوديّة – تؤمن بتوحيد الجنس حتّى أنّها ترفض أن تتّخذ اللّغات أشكالاً مختلفة للتذكير وللتأنيث ، هذه الحركة لم تخدم المرأة بقدر ما أثبتت شعورها بالنقص ورغبتها في أن تكون رجلاً هي لا تشبهه روحيًا ولا فسيولوجيًا ولا بيولوجيًا !
يبدأ الإنسان عادةً من نقطة سليمة عند الرغبة الجادّة في علاج مشكلة اجتماعيّة تمسّه شخصيًا ، لكنّه ما لم يستمرّ بشكل حياديّ ومنطقي وعلميّ يقع فريسة عواطفه ويصل إلى نقطة متطرّفة تبدأ من عندها مشكلة جديدة !
وهكذا المرأة بدأت من نقطة سليمة حين أدركت الظلم الذي مارسه عليها الفلاسفة والعلماء لكنّها وصلت إلى مشكلة جديدة أدناها المناداة بعدم حاجتها إلى رجل ، وأفظعها المناداة بحريّة الشذوذ الجنسيّ لأنّ الكلّ سواسية !
وشكرًا على مشاركتنا قراءتك الكتاب ()