وأنا أتأمل…

بين أرائك القرآن ومجالسه

Posted in رواء by فـوز on ديسمبر 30, 2009

فخورةٌ جدًا لأن مدونتي تستضيف كاتب رائع ومؤثر كـ عقـبــــة ، وهو مدون غنيٌّ عن التعريف به . شكرًا جزيلاً يا عقبة وسأترككم مع مقالته المؤثرة ..

في إحدى المحاضرات لمحت ذلك الشيخ اللطيف المحاضر بابتسامته الساحرة.. وتعامله الراقي.. وتجاذبه أطراف الحديث مع الجميع.. شجعني ذلك ودفعني للذهاب إليه ومصافحته.. ثم طلبت رقمه الخاص لعلي أتواصل معه بعد ذلك في عدة أمور خطرت لي.

لم يُخيّب أملي فعلا.. خصوصاً بعد أن تمعنت في سيرته الذاتية الحافلة دعوة وعملاً في مجاهيل أفريقيا.. حيث ترك عمله الأكاديمي وتفرغ للعمل الدعوي هناك حيث قسوة الحياة وشظف العيش طمعا في ما هو خير من حمر النعم.

تقابلنا عديداً وزرته في مكتبه مقترحاً عليه حوارا إلكترونيا جماهيريا مع شبكة إسلام أون لاين بعنوان “مغامرات داعية في أدغال أفريقية” وبتواضعه ورغم انشغاله وافق ورحب وأتاني إلى منزلي لكي يجري أول حوار له في مسيرته الدعوية كما قال لي بعد ذلك.

بعد أيام دعاني إلى ما أسماه بمجالس القرآن أو التلاوة حيث يختم مجموعة من الفضلاء والحفاظ وطالبي الأجر القرآن تلاوة مرة في الشهر باجتماعهم أسبوعياً في منازلهم كل يوم سبت يقرأ فيها عدد من الحفاظ سبعة أجزاء وربع ويتخللها تفسير لبعض الآيات ولمحات إيمانية وروحية هنا وهناك من بين ثنايا الآيات وفي ظلالها.

ذهبت معه بالفعل وتوجهنا إلى أحد الضواحي النائية حيث منزل متواضع يغلب عليه الطين لكن يعمره الحب والإيمان والطيبة حيث رحب بنا صاحب المنزل بكل سعادة وبهجة لقدومنا ولإنتزاعه دوراً في استضافة هذه الختمة لحرص الجميع على احتضانها تبركا بالقرآن في منزله وبأهل القرآن وليتشرف بعد ذلك بصنع طعام لهم، ولسوف يرضى بإذن الله.

دخلت البيت المتواضع وجلسنا في فنائه الداخلي ولمحت عيني في رفوف أحد الغرف تفسير “في ظلال القرآن” للسيد الشهيد. قلت في نفسي: “سبحان الله، هل كان يدرك السيد رحمه الله أن يصل علمه إلى هذا البقاع النائية!”

بدأت التلاوات الزكية وبدأت النفس تسبح في أجواء الآيات الكريمة.. كنا في الربع الثالث وفي نهايته وصلنا عند سورة فاطر، وفي بدايتها.. لم يمتلك الشيخ “بخيت” إلا أن يبوح بخلجات صدره ممسكا بظلال القرآن للسيد الشهيد ليتحدث لنا كيف رسم لنا سيد معاني آيات عظيمة: (مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ومايمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم) كيف أن هذه الآية بعظمتها ألهمت سيد أن يخط يراعه بعدة صفحات لآية واحده فقط فتحت عليه فتوحات عظيمة في معاني القضاء والقدر وقوة الحق وضعف الباطل ومعية الله عز وجل لعباده . حيث يقول:

” وحين تستقر هذه الصورة في قلب بشري يتم فيه تحول كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعاً .إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة الله . وتيئسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض وتصله برحمة الله . وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض وتفتح أمامه باب الله . وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض وتشرع له طريقه إلى الله”

استمر القراء يشدون بكتاب ربهم وسرح فكري في أبيات للشيخ محمد علي الإمام يصف طفولته في “الخلوة” حيث كرسوا حياتهم للقرآن وحفظه:

كم على الأرض جلسنا

وافترشنا للتراب

وعلى الرمل كتبنا بالانامل

وارتقينا فاصطنعنا

كل شيء بيدينا

من دواة وقلم

ثم ألواح خشب

واحتطبنا واستقينا

ونقلنا الماء في أكتافنا

يملأ الخاطر تعظيم الكتاب

ثم إجلال لشيخ ذي وقار

زاهد في زخرف الدنيا

مضيء كالشهاب

مع توقير وهيبة

ولنا أيضا محبة

لرحاب المسجد العامر

للأصوات تتلو

في حنو وخشوع

ذلك الأدب المزكى

يملأ الوجدان منا

ليته عاد إلينا

ليتنا عدنا إليه..

كم لنا شوق مقيم

ماله من منتهى بعد الأصيل..

بعد نصف قرن قد مضى من عمرنا..

نصف قرن أو يزيد..

ثم قد حان المغيب

مرحبا خير وداع

رب فاجعلها شهادة

وأنلنا عزها يغمرنا

مثلما قد نالها

أهل بدر من قديم

أو كما قد نالها من جيلنا

شهداء صالحون

من شباب وشيوخ

جعلوا القرآن نورا وإماما

واجهوا الأخطار في شوق عظيم

ثم نالوا ماتمنوا

ما توانوا في أداء الواجب

ها هنا في بلدي

أو في فلسطين الجريحة

إذ عثا فيها بنو صهيون إفسادا كبيرا

رب دمرهم ومن والاهمو

أرنا القدرة فيهم

رب وانصرنا عليهم

***

ولنا عود مرجى برزخي

وقيام وابتعاث وحياة

ورجاء في النجاة

ولنا لقيا على أرض الجنان

رحمة من ربنا

لنعود العودة الحلوة

بالذكر الحكيمِ

ثم نلقاك رسول الله

بالأشواق منا

معك الأصحاب والأباء والأشياخ منا

حول حوض الكوثر

***

يا له من ملتقى جد عظيم

وهتاف القلب منا

كم يناجي وينادي

يا لأشواق قديمات عتاق

ملاتنا بخشوع

ثم فاضت من مآقينا الدموع

انتهى الربع الثالث من القرآن وحضر الطعام، وكوني كنت الغريب الوحيد فقد نلت اهتماماً مبالغاً به واحتفاءاً منقطع النظير في مجلس القرآن هذا.

كان هذا هو اللقاء أو المجلس الوحيد الذي حضرته للأسف الشديد بعد أن اشغلتنا الحياة وعندما قابلت الشيخ “بخيت” بعد شهور.. قال لي أين انت ولماذا انقطعت عنا كبيضة الديك!

هذه تجربة وجدانية وروحية أحببت مشاركة إخواني بها بعد هذه السنين شوقا لها وأنا أتذكر قول الشاعر:

ياثلة القرآن تقت لكم

لوجوهكم فياضة البشرِ

Advertisements

7 تعليقات

Subscribe to comments with RSS.

  1. رقيّـة الحربـي said, on ديسمبر 30, 2009 at 10:10 م

    موائد القرآن وخاصّة الله !
    أحسنتَ واسعاً يا عقبة ..
    أحسنتَ واسعاً يا أخي ..
    ،،
    شكراً جزيلاً فوز ..
    تعاونٌ طيّبٌ جداً يا حبيبة ..

  2. نوفه said, on ديسمبر 31, 2009 at 12:04 ص

    يؤسفني حقيقة أني لا أعرفه و لكني أقدر جدًا إخوتنا بالسودان فهم

    من أهل العلم و من أروع المثقفين و كرماء جدًا بلا مجاملة

    شكرًا جزيلًا لك لتعريفنا به أخي

  3. لبنى said, on ديسمبر 31, 2009 at 3:52 م

    تدوينة جميلة و تجربة روحانية فريدة

    شكرا لكلاكما
    فوز
    وعقبة

    نسعد عندما تمتلئ صفحات بهذا النور المضيء
    🙂

  4. خلود said, on ديسمبر 31, 2009 at 7:24 م

    أدخلتنا في جو روحاني جميل يا عقبة ، وأعدت لي أمنيتي القديمة في قراءة الظلال
    اللهم نور بالقرآن قلوبنا ..

  5. فاطمة said, on يناير 7, 2010 at 1:42 م

    جو روحاني ..يسككنـا بعد هذه التدوينه ..

    شكراً لك من الأعماق فقد أخذتينـا إلى جو آخر ..

    بالمناسبه يافوز ..

    لقد آشتقت لك .. ^^

  6. عناقيد said, on يناير 11, 2010 at 11:39 ص

    يااااه ياعقبه
    أخذتني لأيام مضت ..
    انعم والله بمثل هذه الأجتماعات واللقاءات التي يكون فيها القرآن هو الأنيس والسمير وهو جل الحديث وبه تصرف الأوقات والأموال ..
    قال صلى الله عليه وسلم: “ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسون فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده”. رواه مسلم.
    وذكرهم الله فيمن عنده ..
    شكراً لكما فوز ، عقبة
    وجعلكما الله من اهله وخاصته ومن حفظة كتابة

  7. فاطمة said, on مارس 24, 2010 at 3:48 م

    ربي اجعلنا من حفظة كتابك الكريم …اللهم باعد بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرق والمغرب ونقنا من خطايانا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس واغسلنا بالماء والثلج والبرد ..اللهم آمين


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: