وأنا أتأمل…

اللاخبرة الفطرية – دستوفيسكي ..

Posted in مراجعات كتب by فـوز on أكتوبر 30, 2014
 

الأبله

 

 

 

شكسبير ودوستويفسكي يديمان فيك الندم على كونك لم تكن قديسا أو مجرما – هذا ما قاله سيوران وأظنه لم يكن مخطئا أبدا ..

نهاية واقعية لحكاية شاعرية طويلة، والواقع لطالما تسيّد في مجمله المأساة .. أفكرّ دائما أنه ربما لتكتب عن كتاب برأيي يجب أن تبتعد عن أن تقص حكايته وتكتب عن ما أحدثه فيك ..

ما قرأته ليست رواية .. ليست قصة عابرة كأي قصة مع أن الحكاية في تفاصيل منها عادية للغاية .. ما قرأته هو مؤلَف يلعب دور الراوي والمحلل النفسي فيه الكاتب من جهة، يروي القصة وكأنه حينا حاضرا في نفس وفكر كل بطل، ثم يعود يرويها كشاهد من بعيد شهد بعضا منها، وسمع بجزء منها آخر من آخرين .. والغريب هو أن أقرأ فصلا ونصف لخطاب رجل يشبه الوصية بتفصيل ممل ووصف لأدق تفاصيل المشهد ثم أعود لأقرأ أهم الأحداث التي أنتظرها متعاقبة بشكل سريع في ثلاث صفحات أكون فيها أبحث في كل سطر عما حدث بتفصيل أكثر ولا أجد!

ماهذا الجنون ؟

هذا ما ردّدته وأنا أقرأ! ماهذا العبث الذي تجلى في منهج النسبية الأخلاقية التي يتبناها على نحو يصعب التواطؤ معه أو حتى رفضه مثلا .. في هذا الجزء ديستوفيسكي جعلني اختصم معه كثيرا وأحاول نقض أفكاره ودفاعاته المستميتة عن الشر وهو يعتبره مقابلا متساو مع الخير وضرورة حياتية يستلزمها المنطق والواقع .. وأحيانا أخرى كنت استسلم لأنني أتعلم منه كأنني ما ألتقيت من قبل رجلا حكيما مثله !
هل يوجد مثل الأبله الأمير في هذه الحياة؟ كنت أقرأ في أجزاء مثل وصفه لروح ناستاسيا وتبريره الذي يكاد يكون مقنعا للخراب الذي حلّ في حياتها، أيوجد إنسان يستطيع أن يبرر للآخرين ويعلّل جميع أخطائهم وجرائمهم، أن ينظر وراء أعمق نقطة مظلمة في قلبك فيرى فيها حطبا يشعله من أجل أن يتذكر هو قبل الآخرين أنك مهما أسأت وأخطأت تظلّ بك روح مضيئة هي جزء من روح الخالق المبدع العظيم ؟ الأبله الأمير الذي خلقه ديستوفيسكي يصل الإنسانية بالروحانية، طريقة وعرة على النفوس صعبة إذ أن دوافع أعمال الإنسان معقدة متنوعة يصعب تعليلها دائما ..
من جانب آخر هل يوجد متأمل مثله يحاول من خلال القدرة التي وهبت له ككاتب أن ينصف مجموعة من البشر ” العاديون” كما سماهم وقسمهم، فيقوم من خلال رواية عظيمة كهذه الرواية بتسليط الضوء عليهم كأبطال الرواية تماما لأنهم برغم روتينيتهم إلا أنهم يستحقون ذلك ؟ لا يزال وصف أحدهم يرنّ في أذني : ” أنت الروتين، روتين الروتين ” ..

-إن سبب كل ما جرى يكمن قبل كل شيء فيما أسميه ” اللاخبرة الفطرية “-
لعل هذه العبارة هي المبرر الأكبر الذي ختم به الكاتب أحداث روايته العظيمة ..

قرأت هذه الرواية بالمشاركة مع صديقتي آراكه التي هي أيضا متأملة روحانية تناقشنا حولها قليلا بعد بعض الفصول وهذا مما زادني حبّا للوقت الذي قضيته وأنا أتشاركها معها .. 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: